فخر الدين الرازي

169

تفسير الرازي

تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله الله ، فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة ، وثالثها : قوله تعالى : * ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) * وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب ، يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم إلهية الأوثان ، فقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك . قال الشافعي رحمه الله تعالى : فأول الآية وإن كان عاماً بحسب الصيغة ، إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص ، ومما يؤكد هذا المعنى هو أنه تعالى قال : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) * فقد صار هذا النهي مخصوصاً بما إذا كان هذا الأمر فسقاً ، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقاً ؟ فرأينا هذا الفسق مفسراً في آية أخرى ، وهو قوله : * ( قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به ) * ( الأنعام : 145 ) فصار الفسق في هذه الآية مفسراً بما أهل به لغير الله ، وإذا كان كذلك كان قوله : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) * مخصوصاً بما أهل به لغير الله . والمقام الثاني : أن نترك التمسك بهذه المخصصات ، لكن نقول لم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا ؟ والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل " ، ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب . والمقام الثالث : وهو أن نقول : هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن سائر الدلائل المذكورة في هذه المسألة توجب الحل ، ومتى تعارضت وجب أن يكون الراجح هو الحل ، لأن الأصل في المأكولات الحل ، وأيضاً يدل عليه جميع العمومات المقتضية لحل الأكل والانتفاع كقوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) * ( البقرة : 29 ) وقوله : * ( كلوا واشربوا ) * ( البقرة : 60 ) لأنه مستطاب بحسب الحس فوجب أن يحل لقوله تعالى : * ( أحل لكم الطيبات ) * ( المائدة : 4 ) ولأنه مال لأن الطبع يميل إليه ، فوجب أن لا يحرم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال ، فهذا تقرير الكلام في هذه المسألة ومع ذلك فنقول : الأولى بالمسلم أن يحترز عنه لأن ظاهر هذا النص قوي . المسألة الثانية : الضمير في قوله : * ( وإنه لفسق ) * إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أن قوله * ( لا تأكلوا ) * يدل على الأكل ، لأن الفعل يدل على المصدر ، فهذا الضمير عائد إلى هذا المصدر . والثاني : كأنه جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقاً ، على سبيل المبالغة . وأما قوله : * ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) * ففيه قولان : الأول : أن المراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده ، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمداً صلى الله